البرامج الجماهيرية ترفع شعار .. أنا أقلد إذا أنا موجود

 الغزو البرامجي الغربي يطمس الشخصية العربية

التقليد والاستنساخ يطيح بالهوية في عالم الأشباح

النسخة العربية من برنامج غربي إفلاس فكري ولسنا ببغاوات

 منذ سنوات طوال تتردد على الأذهان جملة الغزو الفكري الغربي والاحتلال الثقافي للعرب من  خلال عادات وتقاليد تطفلت على مجتمعاتنا العربية وللأسف تم استقبالها بلهاث مزعج  دفعها إلى تمهيد ملايين الطرق المليئة بالحفاوة ,, وشيدت لها قصور حراسها برعوا في التقليد الأعمى وسكانها مهروا في الاستنساخ وإلغاء العقل أمام كل ماهو غربي سواء في الشكل أو المضمون .

وإذا كنا بصدد التحدث عن توارد الخواطر أو الاقتباس أو المحاكاة فيؤسفني عزيزي القارىء أن أخبرك بأن العديد ممن يسمون  أنفسهم مبدعون في عالمنا العربي أبعد مايكونوا عن هذه الطرق الفكرية الثلاثة فالاستسهال والنسخ والنقل الحرفي والتقني أصبح ديدن القائمين على العديد من الأعمال المرئية وتحديدا البرامج الجماهيرية ذات الصبغة العالمية لنصبح أمام فصيل جديد من الببغاوات البشرية التي يعلم الله إلى أي مدى سرعة تكاثرها .

وإذا تحدثنا بشكل أدق عن ماتشهده الساحة الإعلامية بهذا الصدد فنكاد نجزم أننا أمام حالة من الاجتياح البرامجي لشاشاتنا العربية منذ عدة سنوات وأراب أيدول و ذافويس وجوت أراب تالنت ليست ببعيدة فكلها برامج تعتبر الوكيل الحصري في الشرق الأوسط للبرنامج الأم في دولة الصنع وإلى هنا فالأمر مبهر وجميل وجاذب ولكن المرعب والمؤسف هو عدم وجود أية بصمة عربية حقيقية تتخلل شكل هذه البرامج أو مايقدم فيها بل تعدى الامر ليطال طريقة التفاعل الجماهيري والتصويت بشكل هيستيري والصراخ المبالغ فيه سواء من لجنة الحكم في هذه البرامج أم من الجمهور خارج أو داخل الاستديو .

ومما لاشك فيه أن طرق التقليد تتعدد وتتباين وفقا لكم المنقول إعلاميا لنواجه حالة من التغير تصيب الرجال والنساء بسبب ذاك الاندفاع المحموم وراء المجهول في ساحة التقليد الأعمى   وبعيدا عن دواعي هذا التقليد  الذي قد يأخذ بلب الأنظار لأول وهلة .

وبالتالي فإن وقوع المجتمع العربي المسلم في أتون التقليد الأعمى لهو مكمن الهزيمة النفسية والألغام المخبوءة التي تقتل المروءة بتقليد أعمى وغرور بليد حتى يتلاشى عن المجتمع جملة من ركائز التميز التي خصه الله بها بشرعته وصبغته وقد قال الرسول الكريم صلا الله عليه وسلم (لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) وضرب الرسول المثل بجحر الضب لأنه حفرة ضيقة في الأرض معوجة ليس من السهل دخولها، نعم فشباب اليوم بنسبة كبيرة جداً يقلدون بشكل سطحي  وقشري في حالة يرثى لها .

ولعل قصات الشعر واللباس وطريقة الكلام والتعامل والاختلاط الغير محسوب بين الجنسين والرقصات الغربية التي يقوم معظم الشباب بأدائها دون معرفة مصدرها وأصلها هي أبطال رئيسية في مسرحية التقليد الغربي التي تتجدد فصولها تباعا ويتم تحديثها على فترات متقاربة جدا .

كما ساهم بشكل كبير في تفشي هذه الظاهرة انتشار وسائل الاعلام التي تنقل برامج متخصصة تطرح أفكار وقيم غربية غير هادفة  تحاكي ظواهر منافية لأبسط تعاليم ديننا الحنيف ولكنها تظهر بصورة جذابة تجعل من سلوك نجومها نماذج يقتدى بها من قبل الشباب الذي لم ينل حقه من التوجيه والمراقبة والاصلاح نتيجة انشغال الأهل بتأمين جوانب الحياة المادية وتناسي الجانب الأخلاقي وإهمال تنمية وإثراء الوازع الديني لديهم .

وبعيدا عن النقد والنصح التقليدي سيظل التذكير بخطورة مايبث عبر التلفاز عنصر يجب أن لايغيب عن ذهنية المتلقي  باعتباره من أخطر وسائل الإعلام وأكثرها تأثيراً ي المجتمع ,, فهذا الفرد الإلكتروني الذي أصبح أحد الأفراد المميزين بالعائلة يحمل الكثير من السلبيات والتي تتمثل باتجاهين، الأول يتعلق بمادة البرامج ودورها بنشر بعض المفاهيم التي تصطدم مع العقيدة الإسلامية والأعراف  الصحيحة من خلال بعض الأفلام التي  تفسر الكون تفسيراً موجها يتم من خلال قنوات تتحدث عن العقل المركزي وتصور الكون على أنه مخلوق بقوة شريرة  مما يمس الجانب العقائدي ويشوهه.

أما الاتجاه الثاني فيتمثل في  الجانب الاجتماعي والأخلاقي إذ أدى عرض الأفلام الغربية ومثيلاتها العربية إلى تسريب العديد من المفاهيم الخاطئة إلى المجتمع الإسلامي كشرب الخمر وعقوق الوالدين والحرية الشخصية دون قيود ولا شروط ودون التفكير بأصل ما يقومون بتقليده .

ومن هنا نبعت ضرورة التركيزعلى أهمية التعامل بحذر في التوجية والإرشاد والموازنة بين المراقبة والحرية فقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: (ربوا أبنائكم لجيلهم فإنهم قد خلقوا لجيل غير جيلكم) بالإضافة إلى ضرورة تذكر أننا أصل الحضارة بعكس الفكر السائدالذي يتم تدويله عالميا بشأن  الغرب  وأنهم أصل التحضر والتقدم.

والتقليد بوجه عام لايعد تصرفا خاطئا إذا كان محمود وإيجابي  وإذا لم يكن معارضاً لديننا وأخلاقنا ولكن التقليد الأعمى هو الكارثة بذاتها لما له من انعكاسات سلبية على الأجيال المقبلة .

وكما ذكرنا فإنه بالنظر لمحتوى الفضائيات العربية سنجدها تعمل على استنساخ كمية كبيرة من البرامج الغربية، البعض منها يلقى نجاحاً كبيراً لأنها أثرت بشكل إيجابي على المشاهد، ومنها من يتم تقليده بطريقة عمياء، فلا تكتفي باقتباس الفكرة وإنما أيضاً تقلدها في طريقة التقديم وأسلوب الحوار وكيفية النقاش والإخراج وديكور الاستوديو ولا يقف الأمر عند هذا الحد وإنما يمتد لتقليد برامج لا تتماشى مع تقاليدنا وعاداتنا العربية لأنها تكون متوافقة في الغالب مع طبيعة المجتمع الذي وجدت فيه و ظهرت من أجل أن تقدم لجمهوره.

وللأسف يكون المشرف  العام على مثل هذه البرامج وكيل دولي يفرض وصايته ورؤيته على الإبن الشرعي للبرنامج الأم وبالتالي فإن أية محاولة للإبداع أو إضفاء بصمة مميزة “إن وجدت” سوف تقابل بالرفض وعدم القبول فالوصي لايقبل أوصياء آخرون .

فنحن متفوقون في شراء حقوق البث والملكية واستنساخ برامج الغرب بل حتى طبيعة الإعلانات التي تتخلل مثل هذه البرامج لايتم التدخل بها ,, وهنا تتردد أسئلة بقوة  وهي إلى متى سيستمر التقليد ؟وماهو الوقت المطلوب لبلوغ سن الرشد الإعلامي وتحديدا البرامجي ؟ ولماذا الخوف من المغامرة بإنتاج برامج كبيرة بفكرة محلية مبتكرة عربياً؟ وهل النجاح مرهون باستيراد الأفكار العالمية التي تم طرحها مسبقا ؟

تساؤلات كثيرة ترتسم في الأفق فرضتها خارطة البرامج العربية بسلسلة لا تنتهي من البرامج الأجنبية ولماذا الغرب لا يقلدنا بينما نحن نقلدهم على الرغم من امتلاكنا الإمكانيات المادية والمواهب الشابة التي تستطيع أن تبدع وتقدم أفكاراً جديدة وقوية.

 والكثير منا أبدى استغرابه من إصرار بعض المحطات على استنساخ برامج لا تتماشى مع مجتمعاتنا العربية وخاصة الفضائيات العربية التي تحاكي الجمهور بأسلوب غربي وتبث برامج ومسلسلات غربية وأجنبية فهي تقوم على تهميش وضياع الأجيال القادمة بهذه الطرق الخطيرة والتي لا يشعر بخطورتها أحد باعتبارها عصرية وهي في الأساس تهدف إلى غزو فكري وطمس ثقافي وفرض ثقافات مشتتة تتنافى مع عاداتنا وتقاليدنا تحت ما يسمى (بالحرية أو العولمة) وتؤكد أن النشء والشباب هما المستهدفان بشكل واضح جداً.

وفي الأخير تبقى الكلمات سلاحا ذو دلالة يعيها ويدركها من انكوى بنار التحلل والتحرر والانسلاخ من كل ماهو عربي ومسلم وببساطة شديدة وبتمعن أبسط إذا نظرنا إلى تاريخ من ننقل عنهم دون إدراك أو ترو لوجدنا ان مايجمعهم  مجرد أفكار مادية غارقة في الحياتية بعيدة تمام البعد عن الأعراف أو التقاليد التي تبقى بينما الجامع لنا كعرب ليس مجرد هدف مادي أو حياتي فحسب وإنما الجامع هو عقيدة ولغة وآداب عامة استطاعت أن تخلق شكلا جديدا من الأشكال الإنسانية لم يعرفها التاريخ على مر العصور إلا بعد ظهور دين جامع وشخص أوتى مجامع الكلم فدعونا نتذكر هذا الشكل الإنساني المتفرد ولنعلن تمردنا على انسلاخنا من هويتنا واستعادة خيوط شخصيتنا العربية ونسجها من جديد لنبهر العالم كما أبهره الأجداد .