راحوا الطيبين…

  • تحقيق: عائشة الإدريسي
  •   |  
  • إعداد: هاله الرشدان

المقدمة :-

“راحوا الطيبين ” ” زمن الطيبين ”  عبارات انتشرت في الآونة الأخيرة في وسائل التواصل الاجتماعي بطابع فكاهي وكوميدي مرتبطة ببعض النماذج التي لاتخلو من مفارقات طريفة جمعت بين ذكريات الطفولة واستعادة الماضي،  جيل الثمانينيات والسبعينيات سردوا ذكرياتهم، منهم من قادة الحنين والشوق محلقاً في  سماء الماضي الجميل ومنهم من علق بالنكات على الأفكار التي كانت تستحوذهم في ذلك الزمن ومنهم من قالها متحسراً ومستصغراً الأجيال التي أتت من بعده.. ولكن لماذا نطلق عليهم  (راحو) هل بقي الأشرارفقط، أم أننا فقدناهم وعاجزون عن استردادهم، أما أنهم متواجدون بيننا ولكن الملهيات كثرت!!

العناويين :-

  • الوقوف على الأطلال وبكاء الماضي عواطف إنسانية شائعة !!
  • جزء بداخلنا يأبى أن يغادر مكانه !!
  • تلاشت القيم والمعاني فلم يعد للعيد فرحته ولا لحضور الغائب بهجته !!
  • نقضي دهراً في محاولات متتالية  للنعود مائه عام للخلف!!
  • اللهث وراء ماضي لايعود أشبه بالموت البطئ!!
  • نرسم للماضي أطاراً جميلاً .. لو عاد لكرهناه !!
  • ( اللي كان يلعب ” فتحي ياوردة .. سكري ياوردة ” وهو صغير هذا واحد من الطيبين ) !!

سمعناها كثيراً ، وكأنها حقيقة ثابتة ، ونرددها فيما بيننا ولانسأم الترديد والتكرار.. ” راحوا الطيبين “

اعتقدت أنها كغيرها من الكلمات التي تنتشر بسرعة ثم ما تلبث أن تتواري فتعود إلى ثكناتها السابقة وتندثر

ولكن أتت بخلاف ذلك فقد  تجلدت واتخذت لها موقعاً فسيحاً بين كلماتنا، وعبراتنا، حتى صنعنا رسائل

 وعبارات ممزوجة بالسخرية والحنين إلى العالم السحري القديم ، ومن هنا كانت بداية طرائف الطيبين..  بين طابور الصباح وكتب الدراسة، وألعاب الفسحة المدرسية وألعاب الطيبين وعاداتهم جاءت أغلب التعليقات بالسخرية ( اللي كان يلعب ” فتحي ياوردة .. سكري ياوردة ” وهو صغير هذا واحد من الطيبين) ( اللي كان مصدق إن السبانخ تخليك قوي مثل ” باباي ” تراه أنت مو بس من الطيبين إلا من المساكين )،  ( اللي كان يحط يده على دفتر ويرسمها هذا نوع فاخر من الطيبين )، (اللي كان يمشي وهو مغمض عيونه عشان يشوف حياة الأعمى هذا من حكماء الطيبين) ، ( اللي كان يسكر باب الثلاجه شوي شوي عشان يشوف النور وهو يطفي هذا من المكتشفين الطيبين)

وآخرين يسردون الألعاب التي كانت تمتعهم في ذلك الوقت بطريقة ساخرة، من اللعب ” الأونو ” وطريقة توزيع الأوراق والغش من أجل الفوز والألعاب الحركيه التي كانت تخترع لتمضية الوقت مثل ” حركة وستوب “.

يا ترى من سرد هذه المواقف شخص يبحث عن السخرية فقط ؟! أما هناك غصه حنين إلى الماضي

إلى الذكريات ؟! فما وجدت إلا مواقف يحكيها أصحابها ليتذكرو في نهاية  كل موقف أن هذا هو معنى الحنين إلى الماضي ..

جزء بداخلنا يأبى أن يغادر مكانه وهذا الجزء يدق أبواب الحنين، ذاك الاحساس المفترس الذي يسبق قلب المرء فجأة ليسوقه إلى الماضي الجميل ،  بحثاً عن المفقود وصفاء النفس ونقاء السريرة وشفافية الروح، و الحياة البسيطة  التلقائية لاتكلف فيها ولا اصطناع  بكل أماكنها وطرقها وتفاصليها ، وذكريات الطفولة التي كانت تجمع بين سخرية الحياة من عقولنا الصغيرة وبين أحلامنا العريضة ..

الحنين للماضي حالة تتلبس عقولنا ، ويبدو أن الزمن الجميل الهارب يعيش في مخليتنا فقط ، نفتقد النقاء والمساحات البيضاء، والقرية الواحدة والصوت الواحد، نشتاق لوجوهنا وشخوصنا القديمة، ومواقف تتميز حقاً بالخصوصيات لانألفها اليوم في سائر مواقفنا المعتادة، زمن يتحد فيه الصديق مع صديقة والقريب مع قريبة والجار مع جاره اتحاد يخلو من المنفعه، بل من أجل الألفه والرحمة، فقد تلاشت هذه القيم والمعاني وتلاشت معها الصور الجميلة فلم يعد للعيد فرحته ولا للعرس جماله وروعته ولا لحضور الغائب بهجته فتلاشت كل المعاني الحلوة ولم يبق إلا ماديات بلا روح ولا طعم ولا رائحة ، ولهذا الحنين والشوق يعتصران قلوب الناس لذلك الزمن الجميل ببساطة الحياة فيها .

عندما نقول إنهم رحلوا لماذا لم نتساءل أين رحلوا؟!  و ما الجديد في حياة غير الطيبين؟! وماهو جوهر الإختلاف بيننا وبينهم!

التغيرات الجذرية والمحورية في الحياة ، ولادة جيل صاعد في ظل ثورة للأجهزة والإلكترونيات، فقدان التواصل الاجتماعي، تعقيدات الحياة ، المغريات، المنغصات العصرية الكثيرة، فقدان البساطة في التعامل مع بعضنا البعض..

الوقوف على الأطلال وبكاء الماضي والتحسر على العصر الذهبي، عواطف إنسانية شائعة قد لا يعادلها في الانتشار والشيوع بين البشر إلا الخوف من المستقبل والوجل من المجهول وعدم الثقة بالغرباء،  وولأننا تعودنا الحديث عن بطولات أجدادنا و آبائنا .. و عن ماضينا بكل فخرو عن حاضرنا بكل احترازرغم أن الماضي يكون أحيانا أو كثيراً عادياً أو صعباً ..لكن العادة تنوم العقولو تسلب الأبصار و تشرد الأذهان و تضعف القدرة على التفكير .

 كأننا جيل عتيق غابر يبحث في مخلفات الماضي عن صورة الباهته الممزقة ليتعايش معها، نرسم للماضي إطاراً جميلاً ، نزينة ونلونه ونميزة عن كل التشكيلات، نراه شيئاً عزيزاً نستحضرة في كلماتنا وممارساتنا وفي أثاث منازلنا حتى أحلامنا مقيده بملامح الماضي، نقضي دهراً ًفي محاولات متتالية  للنعود مائه عام للخلف، والحقيقة أنه اللهث وراء ماضي لايعود أشبه بالموت البطئ.

لاتبحث في أدراج الماضي حتى لاتلدغك الذكريات ، فالماضي الجميل يمكن أن نوظفة كدافع ومحرك لتحقيق أهداف تم صياغتها بنكهة المستقبل لابصبغة الماضي ، ولا أرى في استخدام الماضي كهدف إلا خارطة طريق تائهة، لاتصلنا إلى الاستمتاع بحاضرنا ومستقبلنا، وفي الحقيقة  الأمر أن الماضي لو عاد لكرهناه.

لماذا لانرى في الحاضر أملاً وفي المستقبل فرجاً، ونقدح في جمال الحاضر رغم أنه معطر إلا يتطلب منا  مسحة تفاؤل ؟!

ختاماً..

الحنين إلى الماضي هو مأتم نقيمه لأرواحنا ،  وأن كل  ما مضى من أعمارنا لن يعود وهذه حقيقة بيلوجية فرضها الخالق على البشر، وبالتأكيد سنتحسر على الزمن الذي نعيشة الآن، كونه زمنننا الذي سنفتقده…  لذا زمن الطيبين لن يعود ، ومازالوا الطيبين بيننا ولن يموت زمن الطيبين .